مذكرة حول منع التعذيب مقدمة
إلى
السادة الوزراء:
وزير الداخلية المحترم
وزير الدفاع المحترم
وزير العدل المحترم
تحية الحق والعروبة وبعد :
يبدو التعذيب ، الذي رافق الإنسان ، في صراعه ضد أخيه الإنسان ، يبدو كظاهرة مخالفة
للزمن وغير منسجمة من عالمنا المعاصر الذي يرفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان 0
ومع ذلك فالتعذيب ظاهرة مألوفة ، وأحيانا سائدة في المجتمعات وخصوصا المتخلفة منها
، حيث يحكم الاستبداد وغياب القانون 0
ما هو التعذيب :
تنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب على أن التعذيب هو ( أي عمل ينتج عنه
ألم وعذاب شديد، جسديا كان أم عقليا ، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص
أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في
أنه ارتكبه ، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما
يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه ،
أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته
الرسمية 0 ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم
لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجته عرضية لها
وينطوي هذا التعريف على عدة عناصر يتوجب توافرها في الفعل المرتكب باعتباره تعذيبا
وهي :
1- أن يؤدي التعذيب إلى ألم أو عذاب شديدين جسديا أوعقليا 0
2- أن يرتكب التعذيب عن قصد 0
3- أن يهدف التعذيب الحصول على اعتراف 0
4- أن يمارس التعذيب أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص
آخر يتصرف بصفته الرسمية 0
بالإضافة إلى ممارسة التعذيب المنطوي على التمييز أيا كان نوعه 0
ويتضح من هذا التعريف أن فعل التعذيب لم يعد يقتصر على الأذى الجسدي الذي يلحق
بالضحية ، وإنما تعداه ليشمل الأذى العقلي أو النفسي أيضا ، ومن الممارسات التي
تعتبر من أفعال التعذيب 0
التخويف : حيث أشار المقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى أن الخوف من التعذيب الجسدي
قد يشكل بحد ذاته تعذيبا عقليا ، وذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن
التخويف والإكراه ، كما هو مبين في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب بما في
ذلك التهديدات الجادة وذات المصداقية فضلا عن التهديد بالقتل بالسلامة الجسدية
للضحية أو لشخص ثالث يمكن أن يصل لحد المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة
أو إلى حد التعذيب :
الحرمان الحسي : ويقصد به العزل الكامل عن الآخرين وعن العالم الخارجي ، حيث اعتبرت
لجنة مناهضة التعذيب في أحدى القضايا المنظورة أمامها( أن نظام الحرمان الحسي
والحظر شبه الكامل للتخاطب 000 سببا عذابا متواصلا وغير مبرر يصل إلى حد التعذيب)0
من ناحية أخرى لا يجوز اعتبار التعذيب والمعاملة السيئة أو العقوبة القاسية أو اللا
إنسانية أو المهينة ، إجراءات منفصلة في هذه الصياغة ، بل أن بعض أفعال المعاملة أو
العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة ، يمكن أن تشكل تعذيبا، وقد تم التشديد
على هذه العلاقة باستخدام كلمة" وغيره" في العدوان الكامل لاتفاقية مناهضة التعذيب
( اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا
إنسانية أو المهينة ) 0
لقد عانى الشعب في سورية وخاصة بين أعوام 1980 – 1990 ويلات التعذيب التي لا يمكن
وصفها ندرج أمثلة مختصرة عنها :
التعذيب الجسدي :
من وسائل التعذيب الأكثر اليوم في سورية :
1- ما يسمى الكرسي الألماني وهو الكرسي المصنوع من قضبان الحديد بعد نزع مسانده إذ
يمرر قضيبا " مسند الظهر" تحت إبطي السجين ويداه مقيدة بالكلبشات إلى الوراء ويصحح
وضع الكرسي بحيث يغدو جسد السجين تحته تماما أو بين قضبانه السفلية لكن إبطيه وصدره
معلقان بقضيبي " مسند الظهر " ثم تشد أرجل السجين بحبل ثخين وتربط بالطرف العلوي من
قضيبي " مسند الظهر" فيصبح جسده أشبه بقوس من دائرة بين أرجل الكرسي عندها يبدأ
الضرب بالكابلات على قدمي السجين وساقيه ، ويعاد بين فينة وأخرى شد الحبل وتشديد
تقويس ظهر السجين ، والمعروف رغم شدة ما يعانيه السجين من ألم متعدد الوجوه فإنه
يصاب بشلل في أطرافه العلوية يدوم أسابيع أو أشهر تبعا لدرجة تعرضه للتعذيب بالكرسي
0
2- الضرب بالكبلات على القدمين أو اليدين أو مختلف أنحاء الجسد ، والكبل هو عبارة
عن مجموعة من الأسلاك النحاسية تستخدم لا ستجرار الكهرباء تجدل بشكل جيد ، وغالبا
تنتزع جزءا كبيرا من اللحم مع الضرب 0
3- الوضع في الدولاب ، والدولاب هو الإطار الخارجي لعجلة سيارة يوضع فيه الإنسان
ليمسك برأسه ورجليه ويتم ضربه دون أن يستطيع الحراك 0
4- صعقات الكهرباء ، حيث تربط الأسلاك الكهربائية بمواضع حساسة من الجسم ويتم وصل
الكهرباء إليها 0
5- " بساط الريح " حيث يشد السجين من أطرافه الأربعة بحبال إلى جهات أربع ويبدأ
الضرب على أنحاء جسده المختلفة ويعاد شد الحبل بين لحظة تعذيب وأخرى 0
6- الحرق بالسجائر لمواضع مختلفة من الجسم 0
7- الضرب والركل والصفع 0
8- الجلد على أسفل القدمين 0
9- التعذيب بالمياه ، عن طريق إغراق الرأس بوعاء من المياه 0
10-السّلم : تربط قدما المعتقل بالحبال إلى درجات السلم العليا ، ليصبح جسده العاري
مقلوبا ومتدليا إلى أسفل ، ويتمكن المحقق الجزار بذلك من جلده على كامل مساحة جسده
المعلق0
11-الفسخ : يمدد المعتقل على ظهره ، ويوضع كرسي فوق حوضه ، وتدخل ساقيه ، بعد طيهما
وتثبيتهما بين قوائم الكرسي ، فتغدو الساقان منثنيتين عند الركبتين ومفتوحتين إلى
أعلى ، ويقف من يمينه ويساره واحد من الجزارين صاعدا فوق إحدى ركبتيه ، وضاغطا بشكل
متواتر مع زميله ( الجزار المقابل) ،كي يتمكنا من فتح ساقي المفسوخ إلى أقصى زاوية
منفرجة ، وإذا كان المطلوب أكثر من زاوية 180 درجة ، فيجب رفع حوض ( المعني بالفسخ)
بوضع خشبة تحته، مما يؤدي إلى كسر الحوض وفصل الساقين عند رأس الزاوية أو نقطة
المفصل العاني 0
12-الشبح : يعرى المعتقل وتغطى عيناه ( الطميشة) ، ثم يقيد بالكلبشات الحديدية
ويعلق من معصميه أو من قدميه بحبل يشده إلى سقف الغرفة فيصبح مشبوحا كالذبيحة ،
وهكذا يتوفر كامل جسده من كل الجهات مساحة حرة لضربات الجزارين وسلخهم وفنونهم ،
التي قد تشمل دغدغة المشبوح بصعقات الكهرباء 0
13-الضرب بالبلطة : وذلك على مشط القدم لإجبار المعتقل على الاعتراف السريع ، الأمر
الذي كان يؤدي في غالب الأحيان إلى قطع معظم أصابع القدم 0
14-الإطعام الكريه : يجبر المعتقل على أكل مواد تالفة وأشياء كريهة ، وأحيانا يدفعه
الجزارون إلى فتح فمه ودفع تلك المواد دفعا ليزلطها بلعومه ، كما حصل مع من أطعموه
فأرا ميتا في سجن تدمر 0
15-الأفعال المنافية للآداب : بعد تعرية المعتقل والعبث بعورته باستخدام العصا أو
غيرها ، يجبر تحت الضرب والتهديد على العبث بالمناطق الحميمة ، وقد يغصب على ارتكاب
الفاحشة مع زميله أو شقيقه المعتقل معه0
16-التغذية الرديئة : من المسلم به أن الطعام الذي يقدم للمعتقلين ، والسجناء عموما
، هو غالبا رديء وقليل الكمية ، حيث يضطر المعتقل في كثير من الحالات للاعتماد على
موارده الخاصة ، فتتحول متطلباته إلى عبء آخر على عائلته أو مصادرته الخارجية ،
بينما تصبح هذه المسألة منبعا آخر للفساد في معظم السجون 0
التعذيب العقلي :
ويتمثل التعذيب العقلي في الحبس الانفرادي لمدد طويلة ، والمنع من الاتصال بالعالم
الخارجي والاستعانة بمحام ـ حيث يبقى المعتقل شهورا وأحيانا سنوات دون أن تعلم
عائلته عنه أي شيء دون أن تتمكن من الاطمئنان عليه يضاف إلى ذلك الحجز في أماكن
تفتقر إلى أدنى معايير الصحة بعيدا عن الضوء والهواء النقي ، الأقبية والزنازين ،
وأسماعهم بصورة شبه دائمة أصوات التعذيب الشديد إلى جانب توجيه الإهانات والشتائم
المبتذلة والتهديد المستمر بتعذيب أشد ، أو بالتعرض للتعذيب والإهانة لأحد أفراد
العائلة "وبشكل خاص للزوجة أو الأخت أو الابنة"0
أن التحقيق سواء في الفروع الأمنية أو القضائية يرافقه غالبا التهديد والتخويف مما
يؤثر بشكل مباشر في معنويات الموقوف ، ويؤدي إلى أثار نفسية طويلة الأمد لديه ، كما
أن العزل الانفرادي عقوبة ملازمة للتعذيب في الفروع الأمنية وقد تستمر إلى ما بعد
انتهاء التحقيق وتوقف التعذيب الجسدي، وحتى أحيانا بعد صدور الأحكام 0
ويحتجز المعتقلون في الفروع الأمنية إما في الزنزانات أو في المهاجع ، وغالبا تكون
مساحة الزنزانة 1 2 xم ، وتتميز بعدم وصول الضوء أو الهواء لها ، نظرا لوجود معظمها
في أقبية تحت الأرض، إضافة إلى عدم وجود إنارة بحيث لا يميز المعتقل بين الليل
والنهار ، فضلا عن قذارتها وافتقارها لأدنى المعايير الصحية ، وحسب تعبير أحد
المعتقلين في الفروع :" طبعا لا يوجد هناك إلا القمل والإنسان ، حتى الحشرات الأخرى
لا تستطيع أن تعيش هناك" 0
أما المهاجع فتتميز غالبا باكتظاظها الكبير حتى أن بعضها يتواجد فيه 175إلى 210
معتقل على الرغم أن مساحتها لا تتعدى 42 مترا ، وينام المحتجزون في هذه المهاجع على
مراحل وعلى طريقة " التنسييف" ، وفقا لما يطلق عليها من قبل السجناء ، وتعنى بأن
ينام الشخص على أحد جانبيه كحد السيف ليأخذ أقل مسافة ممكنة ، أما الباقون فخيارهم
إما النوم وقوفا أو انتظار دورهم في النوم " تنسييفا " 0
أما الطعام الذي يقدم للمعتقلين فيتميز غالبا برداءته وقلة كميته ، وفي بعض الفروع
، لا بد للحصول على ما يكفي من الطعام من دفع الرشاوى ، حيث يستشري الفساد في بعض
الفروع الأمنية إلى درجة كبيرة 0
جدير بالذكر أنه وفقا للجنة مناهضة التعذيب ، فإن " أوضاع اعتقال معينة تصل إلى حد
المعاملة الاإنسانية والمهينة وأن بعض أوضاع الاعتقال تصل إلى حد التعذيب "وأشار
المقرر الخاص للتعذيب إلى أوضاع الاعتقال بأنها " قاسية أو لا إنسانية أو مهينة "
كما أشار لمرة واحدة بأنها معذبة" ، وصرح أيضا بأن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم
الخارجي في مكان سري قد يصل إلى حد التعذيب كما هو مبين في المادة الأولى من
اتفاقية مناهضة التعذيب ، وكذلك اعتبر العذاب الذي يقاسيه أقرباء المختفي بأنه يصل
إلى حد التعذيب وسوء المعاملة0
نصت المادة 28 من الدستور على مايلي :
1- كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم 0
2- لا يجوز تحري أحد أو توقيف إلا وفقا للقانون 0
3- لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل
ذلك0
كما نصت المادة 30 على مايلي :
لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ولا يكون لها أثر رجعي
ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك 0
كما تنص المادة 33 على مايلي :
1- لا يجوز إ[بعاد المواطن عن أرض الوطن 0
2- لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة إلا إذا منع بذلك بحكم قضائي أو تنفيذا
لقوانين الصحة والسلامة العامة 0
كما نصت المادة 367 عقوبات على مايلي :
في ما خلا الحالات التي يفرض فيها القانون العقوبات الخاصة عن الجرائم التي يرتكبها
الموظفون فإن اللذين يقدمون منهم بصفتهم المذكورة أو بإساءتهم استعمال السلطة أو
النفوذ المستمدين من وظائفهم على ارتكاب أي جريمة كانت محرضين أو مشتركين أو
متدخلين يستجوبون العقوبة المشددة في المادة 247 0
كما نصت المادة 391 على أنه :
1- من سام شخصا ضروب من الشدة لا يجبزها القانون رغبة منه في الحصول على إقرار عن
جريمة أو معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات 0
2- وإذا قضت أعمال العنف عليه إلى مرض أو جراح كان أدنى العقاب الحبس سنة 0
ونصت المادة 545 على أنه تشدد العقوبات المذكورة في هذه المواد وفقا لإحكام المادة
247 إذا اقترف الفعل بإحدى الحالات المبينة في المادتين 534"أو 535 "
وتنص المادة 534 على أنه " يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة على القتل قصدا إذا ارتكب
:
0000 في حالة إقدام المجرم على التعذيب أو الشراسة نحو الأشخاص"
أما المادة 30 من نظام السجون فقد نصت على أنه يحظر على جميع الموظفين وعمال
الحراسة أن يستعملوا الشدة بحق الموقوفين ، أو يلقبونهم بألقاب محقرة أو يخاطبوهم
بلسان بذيء أو يمازحوهم
لقد سبق لسورية أن صادقت على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1969
وبالتالي أضحت نصوص هذه الاتفاقية تعلو على القوانين المحلية 0
كما صادقت أخيرا على اتفاقية ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو الاإنسانية أو
المهينة والتي صدرت بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 39/46 المؤرخ في 10 كانون أول (
ديسمبر) 1984 مما يجعل هذه الاتفاقية أيضا تعلو على القوانين المحلية 0
إن جمعية حقوق الإنسان إذ تنظر بقلق إلى استمرار التعذيب في السجون ودور التوقيف
سواء لدى الشرطة المدنية أم لدى أجهزة الأمن الأخرى المتعددة 0
فضلا عن التقاصي عن ملاحقة ممارسي التعذيب الذي ذهب ضحية آلاف المعتقلين في سجن
تدمر السيئ الصيت وسجن المزه العسكري المغلقين 0
إن الجمعية لتهيب بالمسؤوليين على سائر إدارات الشرطة والأمن بكل فروعها التعميم
على سائر دور التوقيف بمنع ممارسة التعذيب وإجراء التحقيقات الكافية لإحالة ممارسي
التعذيب إلى القضاء المختص 0
كما أن الجمعية إذ تناشد المسؤولين عن دور التوقيف توفير المناخ الملائم لإجراء
تفتيش دوري من قبل ناشطين في منظمات حقوق الإنسان وبالاشتراك مع مسؤولين أمنيين عن
دور التوقيف والسجون، آملين حسن تفهم توجهات الجمعية بالسعي للنهوض بالأمة من
كبوتها ،وتأسيسا لمستقبل واعد0
دمشق 27/11/2004م
المحامي الأستاذ هيثم المالح
رئيس جمعية حقوق الإنسان في سورية